الثائر الوطني ظاهرالعمر الزيداني
قسطنطين خمّار
هذه المادة كان الباحث الفلسطيني المرحوم قسطنطين خمار قد نشرها، منذ زهاء عشر سنوات، وضمنها ما جمعه عن هذا الزعيم الاستقلالي الفلسطيني، الذي حكم أجزاء من فلسطين، خلال القرن الثامن عشر، إبان حكم المماليك لمصر والذي دوخ الباب العالي في اسطنبول، إلى أن تمكن منه، بعد أن تخلى عنه حلفاؤه المحليون، وغدرت به روسيا من الخارج، بعد أن تصالحت مع الدولة العثمانية، فكان أن قتل على يدي أحد المرتزقة من جنده.
ولا شك أن دافع المرحوم خمار كان إلقاء الضوء على حياة هذا الزعيم، الذي اتخذ من مسقط رأس هذا الباحث (عكا) مقراً لحكمه.
ولم يكن إلقاء خمار الضوء على حياة وقلم ظاهر العمر أمراً خارج دائرة التوقع، فهو الذي طالما بحث في تاريخ فلسطين وجغرافيتها، وأغنى المكتبة الفلسطينية في هذا الشأن وذاك.
المدخل
وصلت الإمبراطورية العثمانية إلى ذروة قوتها، داخلياً وخارجياً، في أواسط القرن السادس عشر وبدت عليها بوادر التقهقر منذ القرن السابع عشر، وبداية القرن الثامن عشر بدت بوضوح امارات تراجعها العسكري والإقليمي أمام أعدائها في أوروبا وآسيا، مما اضطرها إلى زيادة الضرائب على الفلاحين، بغية الحصول على موارد اضافيه من الدخل لصيانة الجيش؛ وهذا بدوره أدى إلى هجره واسعة النطاق من القرى، ومن ثم تدهور الزراعة، وكان في ذلك ضربة جديدة للإمبراطورية.
كانت بلاد الشام ( سوريا ولبنان وفلسطين ) جزءاً من هذه الإمبراطورية، إلا أن سيطرة الدولة العثمانية عليها كانت اسميه فقط، إذ كانت هذه الأقطار مقسمة ايالات (ولايات)؛ ويلقب صاحب كل ايالة بالوزير، الذي يلتزم إيالته من الباب العالي (السلطان ألعثماني )، في مقابل مبلغ معلوم من المال، بالإضافة إلى هدية سنية من المال أيضاً، على وجه ثابت. وأصبح المرشحون للمناصب الكبرى في الولايات المتحدة يعينون في مقابل رشوات، وهؤلاء بدورهم أخذوا يلجأون إلى نهب أموال رعاياهم، ليعوضوا الرشوات التي دفعوها، وهذه أمور زادت في تقلص نفوذ الدولة المركزية، كما قوت سلطة الولاة. وإضافة إلى ذلك أخذت القبائل البدوية تتحدى سلطة الوالي نفسه، وتهدد المسافرين، وتسطو على القوافل؛ وكثيراً ما تغير على المدن وتمعن فيها سلباً ونهباً، وقد بدا هذا أكثر ما يكون في فلسطين، التي كانت مقسمة إلى وحدتين إداريتين أساسيتين هما:
1) ولاية صيدا، الممتدة من جسر نهر المعاملتين ( شمال بيروت) إلى شمال حيفا.
2) السناجق الجنوبية، من ولاية دمشق (عجلون واللجون، نابلس، غزة، الرملة والقدس).
أما الحد الفاصل بين الولايتين فكان خطاً يمتد من جنوب بحيرة طبرية إلى جنوب خليج عكا (شمال حيفا)، وفي كلتا الولايتين (صيدا ودمشق) بدت أمارات تقلص الإشراف المركزي، بأوسع معانيها؛ فقلما كانت سلطة الوالي تتجاوز المدن وضواحيها من السهل الساحلي كثيراً؛ فلكل طائفة أمراؤها أو شيوخها، وغالباً ما تكون الأقسام الجبلية تحت حكم إقطاعي شيوخها من الأسر القديمة المسيطرة.
أما البدو فلم يكتف الوالي بعدم التدخل في شؤونهم، بل كثيراً ما كان مضطرا إلى طلب مساعدتهم العسكرية، ليتمكن من القيام بإعمال منصبه والمحافظة على مركزه، متغاضياً عن كل ما يقومون به من غارات واعتداءات.
وكانت عملية تغيير الولاة من الأسباب الرئيسية لتدهور الإمبراطورية العثمانية، ربما كانت هذه الظاهرة تبدو في فلسطين أكثر من سواها. ففي النصف الأول من القرن الثامن عشر تعاقب عليها أكثر من أربعين والياً، الكثيرون منهم ما كانوا ليتموا سنة واحده في مناصبهم، وعلى هذا لم يكن أمام الوالي إلا أن يمتص ويعتصر ما أمكنه من المناطق التي يحكمها. وبذلك أفقر الفلاحين، وجار على سكان المدن، دون رحمة، فشملت مظالمه أهل الريف والحضر، على السواء، وكانت موارد والي صيدا تشمل ما يأتي:
1) مال التزام جبل لبنان وجبل عامل ومنطقة صفد.
2) مال التزام الجمارك من الموانئ على الواردات والصادرات (وكان القطن والسمسم والقمح من أهم الصادرات).
3) الخراج على الأراضي ويبلغ ربع (4/1) المحاصيل.
4) مال الجزية من أهل الذمة (النصارى واليهود).
5) مال (الباج)، وهو ما يتجمع من خفارة الطرق من الغرباء والتجار.
6) مال المغارم العمومية، من جميع الأهالي، وهو إما أن يكون على سبيل الجزاء أو الإعانة (كما يحلو للوالي أن يقرر).
7) دخل بيت مال المسلمين- من مخلفات المتوفين من دون ورثة، سواء من أهل البلاد، أو الجند، أو الحجاج، أو أبناء السبيل.
8) مال العوائد، أو بعبارة أخرى (الهدايا) من الأتباع والأثرياء والموظفين والقناصل والتجار الافرنج.
ــــ وكان الوالي يعتبر هذا حقاً له يطالب به أنّى شاء وكيفما أراد.
وكان الجنود من الفرسان في ولاية صيدا أخلاطاً من الأرناؤوط والأكراد والتركمان، أم أغلب المشاة فكانوا من أهل شمال أفريقيا (المغاربة)، والغالبية العظمى من هؤلاء الجنود من المرتزقة، ولذا كان دأبهم التعدي على الأهالي وارتكاب المظالم والقبائح التي كثيراً ما كان الوالي يغض الطرف عنها لحاجته إليهم، إذ هم عماد وركن دولته.
في هذه الحقبة المضطربة، برز رجل دمغ المنطقة بطابعه, وكان هذا هو (ظاهر العمر الزيداني)، الذي قال عنه رحال القرن الثامن عشر (فولني) (الرجل الذي لم تعرف سوريا أنشط منه، لقرون عديدة).
جذور ظاهر العمر:
ينتمي ظاهر العمر إلى عشيرة الزيادنة, وهناك غموض يكتنف أصل هذه الجماعة وتنقلاتها, إذ أن شهرتها الحقيقية لم تبدأ إلا بموضوع بحثنا, ظاهر العمر. فمن قائل إنهم من عرب الطائف بالحجاز, كما روى آخرون أنهم قدموا من جوار المدينة المنورة, وذلك في أواخر القرن السابع عشر, واستقروا على شواطئ بحيرة طبرية؛ وفي رواية أخرى إنهم نزلوا, بعد ظعنهم من الحجاز, في بني أسد (حول معرّة النعمان), يرتحلون معهم حيثما ارتحلوا, وينزلون معهم حيثما ينزلون, وكان لكبيرهم "زيدان" ثلاثة أولاد, هم: علي وعمر وحمزة, وقد عمل ثانيهما (عمر) في التجارة, فأثرى ثراء فاحشاً, وعرف بسخاء نادر المثال, مما أثار حسد بني أسد عليه, فارتحل بقومه إلى سواحل فلسطين, وأنزلهم حول (قيسارية) إلى الجنوب من حيفا, ثم عاد فانتقل بهم إلى سهل البطوف في الجليل الأعلى, وتحديداً حول قرية عرّابة, حيث اقتنى عدداً كبيراً من الأغنام, فأخصبت وزادت في ثرائه, ولذا أمكنه التغلب على أسرة درزية, كانت تتولى زعامة المنطقة, وحل محلها, ونسب قومه جميعاً إلى زيدان والده؛ وعرفوا, منذ ذلك الحين بالزيادنة.
وعام 1698-1699 قام مشايخ بلاد بشارة والشومر والثقيف والتفاح (منطقتا صيدا وصور حالياً) بثورة على والي صيدا, فاستنجد هذا بالأمير (بشير الشهابي الأول) ولما أخمدت الثورة كافأه الوالي بالإشراف على مقاطعة الجليل الواقعة إلى جنوبها, والمعروفة, في ذلك الوقت, ببلاد صفد, نسبة إلى هذه المدينة, التي كانت أعظم مدن شمال فلسطين, في تلك الحقبة. ولما كان الأمير بشير الشهابي منتمياً إلى الحزب القيسي, على عكس المشايخ السابقين الذين كانوا من الحزب اليمني, فقد قام بعزل حاكم صفد من الحزب اليمني, ولزّمها للشيخ عمر الزيداني, بسبب سطوته وقوة نفوذه في بلاد الجليل, ولكونه قيسياً مثله, أيضاً. وبذا أصبح الشيخ عمر هذا, منذ سنة 1703, أعظم مشايخ الجليل, وتلقيه رسالة نائب القنصل الفرنسي في عكا إلى دولته, المؤرخة في 20/7/1703 "شيخ المشايخ", كما كان أخوه, علي مسيطراً على إقليم الجليل الغربي, والأخ الثالث, حمزة, كانت منطقة حكمه جوار الناصرة. ولما رأى والي صيدا مبلغ سيطرتهم وقوتهم, حاول الحد منها, وبسط سلطته المباشرة على مناطق حكمهم, ففشل؛ فقد ناصرهم الأمير الشهابي الجديد, حيدر, لكونهم قيسيين, على شاكلته, فامتنعوا عن تأدية الضرائب التي كان يفترض أن يؤدوها لوالي صيدا, - فكان لا بد له من اللجوء إلى السلاح لإجبارهم على تسوية ديونهم, ولكنه لم يجرؤ على ذلك, بسبب شدة بأسهم, من دون الحصول على إذن من المحكمة الشرعية حجة وفرمان من الباب العالي, لتبرير عمله, وهذا أكبر دليل على ما بلغته قوتهم. فلم يجرؤ على استبدال مشايخهم بغيرهم, أو خلعهم عن المقاطعات التي كانت بأيديهم.
بروز ظاهر العمر:
اختلف المؤرخون في عدد أبناء الشيخ عمر, فمن قائل, إنهم ثلاثة, كما روى آخرون إنهم أربعة, أو خمسة, إلا أن اهتمام كل من كتب عن تلك الحقبة أو أرّخ لها, وجه عنايته القصوى نحو أصغرهم, المدعو ظاهر, الذي عُرف, فيما بعد, بظاهر العمر, بزيادة ال التعريف على والده, وتلك عادة جارية في ريف فلسطين, وكثيراً ما كان يعرف بـ (ضاهر العمر), ذلك أن الكثيرين من أهل فلسطين يلفظون في حديثهم الظاء "ضاداً", وقد درس في حداثته القرآن الكريم وشيئاً من الأدب, كما تعلم الكتابة, وحذق فنون القروسية وضروب القتال.
منطقة حكم ظاهر العمر:
تولى ظاهر الزعامة مكان أبيه عام 1706, وله من العمر قرابة عشرين عاماً. فقام بادارة صفد, إدارة حكيمه, وتحالف مع عرب الصقر, فانتصروا له, مما مكنه من الاستيلاء على مدينة طبرية, ذات الموقع الاستراتيجي المهم على حدود ولاية صيدا, والتزامها من والي صيدا, بعد أن دفع له ما يترتب عليه من الأموال والهدايا, وكان ذلك في حدود سنة 1730. وعرف, عند ذلك, بشيخ طبرية. وقد حصن المدينة, وشاد فيها قلعة ضخمة, مكنته من الصمود, وصد محاولتين قام بهما والي صيدا لإعادة المدينة إلى سلطته المباشرة.
وفي أواسط عام 1740, بعدما زادت سطوته واتسعت رقاع حكمه, عرف بشيخ صفد, ونقل قاعدته إلى قرية دير حنا, في وسط الجليل الأعلى, على بعد نحو 30 كيلومتراً من عكا.أما عكا فكانت, منذ أواسط القرن السابع عشر, بلدة صغيرة, فالرحالة التركي (أوليا جلبي), الذي زارها في هذه الفترة, يقول "فضلاً عن الجامع الكائن في القلعة, لم يكن هناك سوى مسجد واحد وحمام واحد فقط". مما يؤكد أن أهلها كانوا قليلي العدد, وأن وضعهم الاقتصادي كان متردياً كما كانت البلدة عرضة لغارات البدو, يحكمها آغا من جانب والي صيدا, ولم يكن عدد جنوده ليتجاوز 16 نفراً, ما كان بوسعهم تحقيق الأمن لسكانها أو حمايتهم. وكان ظاهر, قبل الأربعينات, بدأ بعقد صلات وروابط مالية وتجارية مع تجار الإفرنج الذين ينزلونها, مما مكنه من التعرف جيداً على المدينة, إما عن طريق السماع, أو عن طريق زياراته الشخصية لها, لأهداف تجارية. ومع أنه كان على صراع مستمر مع والي صيدا, إلا أن ذلك لم يحل دون ودون الذهاب بشكل سافر إلى المدينة, غير آبه لحاكمها الآغا. إذ كان, قولاً وعملاً, سيّد كل بلاد الجليل, بلا منازع, فتصرف, كأنه الحاكم الفعلي للمدينة, على رغم أن قوته الأساسية كانت في الداخل, لا في الساحل. فقد كان يفرض الضرائب على الحرفيين وغيرهم في المدينة وكثيراً ما كان يرسل جنوده إليها, للقبض على تاجر مدين له بمال. إلا أنه أخذ يصبو إلى بسط سلطته المباشرة على عكا ومينائها, فطلب من والي صيدا أن يلزمه إياها, إذ كان يومها, حريصاً على جعل حكمه شرعياً على كل بقعة يقوم بضمها بقوة السلاح. وأكد للوالي أنه قادر على حمايتها من قراصنة مالطة, الذين كانوا يغيرون, دوماً, على موانئ البحر المتوسط ويوسعونها, سلباً ونهباً. ولما أبى علي, والي صيدا, ذلك هاجمها بثلاثة آلاف من جنده, وأخذها عنوة وطرد الآغا منها, وكان ذلك في أوائل عام 1745- وبذلك تمت سيطرته على الجليل بأكمله من بحيرة طبرية شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً. وقد ساعده على هذه الوثبة القوية بسالته الشخصية, وضعف والي صيدا, الذي اضطر أن يرضى بالوضع الجديد؛ آملاً, على الأقل, بالحصول على العائدات من البلاد التي يبسط ظاهر سلطانه عليها.
ولما استقر به المقام في عكا, شرع في تعميرها, وترميم وبناء المباني العامة, كما قام بتحصينها بكثير من الأبراج حول شاطئها, وأحاطها بسور منيع, أتم بناءه عام 1750, وجعل له بوابتين كبيرتين, فقط. ونصب عليه المدافع لحماية الخليج من القرصان, وصد البدو الذين كانوا يغيرون على أطراف المدينة في السابق, مما بسط الأمان على المدينة وضواحيها, وأدى إلى اطمئنان أهليها.
وقد نظم في تاريخ بناء هذا السور, الخوري نقولا الصائغ الأبيات الآتية:
سـور منيـع عـاصم عـكــا فـما تغتال إذ قد عيد منها الداثر
من ظاهر العمر الذي اشتهرت له بيـن الـبريـة أنـعـم ومآثر
تـمـت مـحاسـنـه فيـرنــو نـاظـر في حسن ميناء ويخسأ ناظر
لـما بنـاه الشـيخ ظـاهـر عـنـوة أعناه تاريخ بـنـاء ظـاهـر
(1163هـ)
كما نقشت على بوابة السور الأبيات الآتية:
بـأمـر الـلـه هـــذا الســور قـاما بـعكـا مـن فتـى بالخـير قـاما
أبــي الفـرســان ظـاهـر المفدى أعــز الـلـه دولـتـه دوامـا
فـبـاطـن بابـه الرحـمــات فــيــه وظاهره العذاب لمن تعامى
وذا باللـه صــار حمـى فـــارخ بـنـاك الـله فخـراً لا يسـامى
السيطرة التامة التي بسطها ظاهر على البلاد, التي دانت له, جعل منها منطقة موحدة تحت سلطة حاكم منفرد, وعلينا ألا ننسى أن ذلك كان أيضاً, مرتبطاً بالصعود المستمر للحزب القيسي في بلاد عكا في عهده المركز التجاري الرئيسي في فلسطين وأعظم مدنها, سياسياً واقتصادياً, فكانت بذلك العاصمة الفعلية في فلسطين, منافسة بذلك صيدا, التي هي مركز الولاية. كل هذا أثار عليه حفيظة والي صيدا ونقمة الدولة العثمانية نفسها, فأخذا يتحينان الفرص للقضاء عليه. فغزاه والي صيدا بجيش جرار, وحاصر, طبرية, إلا أن ظاهرا صده, وأحرز انتصاراً باهراً وسرعان ما مكنه من الزحف على عاصمة الولاية صيدا, والاستيلاء عليها, عنوة. وكان ظاهر يرغب, دوماً, في إسباغ الشرعية على ما يستولي عليه بالقوة, كما أسلفنا, فقد طلب من الباب العالي أن يقره عليها, وشفع طلبه بالتماس لهذا الأمر من شيوخها وعلمائها, وقاضيها, الذين طالما سمعوا عن شهامة ظاهر ومروءته وعدله وحدبه على الرعية. ثم قام ظاهر بإرسال هدية من المال الأميري (الميري) المتأخر على الولاية عن السنوات السابقة, مما حاز رضى السلطان, فأقره على هذه الولاية, عام 1754, بالإضافة إلى البلاد التي بسط عليها سلطانه سابقاً. وقد انتدب أحد قواده للإقامة في مدينة صيدا, أما هو فظل مقيماً في عكا, معتبراً إياها المقر الدائم والعاصمة الفعلية. بعد ذلك أخذ يمد سلطانه جنوباً إلى حيفا والطنطورة إلى جنوبها, منذ 1757, وكذلك بسط سلطته على المنطقة الواقعة إلى الجنوب الشرقي من سلسلة جبال الكرمل, وما لبث الباب العالي أن أمره برفع يده عن صيدا, وبذلك نرى أن الدولة العثمانية ما كانت تمنحه شرعية ما يحكم من البلاد إلا عجزا وأنها كانت, أبداً, راغبة في القضاء عليه, محرضة الولاة, سراً أو علانية, عندما تأنس من نفسها القدرة على ذلك.
كانت لوالي دمشق دورة سنوية, يتجول خلالها في السناجق الجنوبية لولايته (عجلون واللجون, نابلس, يافا, الرملة وغزة, والقدس) لجمع الضرائب. فقام, عام 1760, بهذه الدورة, عازماً بإيعاز من الدولة العثمانية على كبح ظاهر, والحد من سلطته, والقضاء عليه, إن أمكنه ذلك. فهاجم قلعة الطنطورة (جنوب حيفا) فاستسلمت له, وأقام فيها حامية ثابتة, كي لا يعود ظاهر إلى احتلالها. وعند ذلك أمر الباب العالي بضم حيفا وجوارها إلى ولاية دمشق سالخاً إياها عن ولاية صيدا, وبذلك فشلت محاولات ظاهر بالتزامها شرعاً, فأشعل فيها النار وحاصر قلعتها – فسقطت بيده, في شهر كانون الثاني/ يناير عام 1762؛ أما الباب العالي فلم يعترف بهذا الضم, وأخذ يرسل من جانبه حكامًا عثمانيين لها, إلا أن ظاهرا كان يعيدهم من حيث أتوا, ويقيم عليها حكاماً من جانبه. فقرر الباب العالي, في نهاية عام 1764, التخلص نهائياً من ظاهر, مرسلاً بذلك فرمانات إلى ولاته في دمشق وصيدا؛ إلا أن ظاهر كان يعتمد على أعوان له في عاصمة الخلافة, اسطنبول, بالتأثير على الباب العالي لمصلحته. فعندما حاول والي دمشق الزحف على المناطق التي يحكمها ظاهر عام 1767, جوبه برفض السلطان تزويده السلطات اللازمة والصلاحيات الواجبة. وما لبث ظاهر في العام التالي (1768) أن التمس من الباب العالي منحه لقب شيخ عكا وأمير الأمراء والحاكم في الناصرة وطبرية وكل بلاد الجليل, فأجيب طلبه, مراوغة من الدولة, التي كانت تقصد من وراء ذلك نوعاً من الهدنة, لتتفرغ فيما بعد إلى معاقبته, فقد كانت واجدة عليه, عدا عن تفرده بحكم مناطق هي من صميم الامبراطورية. كما كان يقوم بحماية البدو الذين كانوا يغيرون على قوافل الحجاج العائدة إلى دمشق ويسلبونها فقد كان يشتري منهم الأسلاب, وكثيراً ما كان يتحدى الباب العالي بالسماح لهم بدخول عكا, قائلاً إنهم أصدقاؤه, ولا بد له من مساعدتهم عندما يلجأون إليه, وبإمكانهم أن ينهضوا لنصرته عند الضرورة. كذلك كانت الدولة تحقد عليه السماح لقرصان مالطة ببيع أسلابهم في عكا, فلا غرو أن كانت تتحين الفرص للقضاء عليه, على رغم أنها كانت مضطرة, لا سيما في الفترة ما بين 1768ـ1774, إلى الاغضاء عن استئثاره بالسلطة وتجاوزاته, لانشغالها في حرب ضروس, برية وبحرية مع الدولة الروسية زمن الامبراطورة كاترين الثانية, التي رأت في ظاهر العمر خير عون لها على الدولة العثمانية. فأيدته بأسطولها القوي, وعادت العلاقات وازدادت سوءاً بين ظاهر والدولة العثمانية, فأوعزت إلى ولاة دمشق وحلب وطرابلس بحربه عام 1770, فهددوه بمهاجمته في عقر داره في عكا, إلا أنهم لم يتمكنوا من تنفيذ وعيدهم؛ إذ أن (ظاهر) كسرهم, كسرة شنيعة, في معركة حاسمة, قرب جسر بنات يعقوب, إلى الجنوب من بحيرة الحولة في 2 أيلول/ سبتمبر 1771. كما انتصر عليهم في معركة أخرى ضارية, بجوار صيدا, وبذلك تشتت شمل جيوشهم جميعاً, ومنيت محاولاتهم لكسر شوكته بفشل ذريع, خلال 1771, 1772. وقد شجعه هذا التفوق الحربي على بسط سلطته على عموم فلسطين, وكانت مناطق جنوب فلسطين ووسطها (السناجق الجنوبية من ولاية دمشق) قد ضجت من مظالم الولاة الذين أرهقوا أهلها بالضرائب, واستنزفوا مواردها للإنفاق على الجيوش التي حشدوها لحرب ظاهر؛ فاستنجدت بظاهر, الذي رأى في ذلك فرصة مواتية لضمها الى حكمه, مستعيناً على ذلك بحاكم مصر, علي بك الكبير, الذي أمده بجيش جرار. فتمكن من ضم مناطق الرملة وغزة ويافا ونابلس, وتجهز للانقضاض على القدس, بعدما حاصرها حلفاؤه من القبائل البدوية, حاجبين عنها المؤن والذخائر, كما أغار على نواحي اربد وحوران وعجلون ومرجعيون, فخضعت له كلها, إضافة إلى أن البوارج الروسية أيدته, ولو بدفع أجر لقائدها, لدى مهاجمته بيروت براً, بحصار بحري مكنه من الاستيلاء عليها (حزيران 1773) بعد أسر حاكمها من جانب الدولة العثمانية, أحمد الجزار, الذي كان قد فرّ سابقاً من خدمة مولاه علي بك الكبير في مصر, ملتحقاً بخدمة الباب العالي, وقد جاء في تاريخ الأمير حيدر الشهابي ما نصه:
وكان بين ظاهر العمر والمسكوب (أي الروس) عهود واثقة, ملكتهم كاترين أصدرت الأمر لأميرال سفنها في البحر الأبيض بأن تسير إلى ما يطلب ظاهر العمر. فأقام الحصار عليها (أي على بيروت), براً وبحراً, ودام ذلك الحصار على المدينة نحو أربعة أشهر, فتضايق الجزار ومن معه من شدة الحصار, وصادف جوعاً شديداً حتى أكلوا الخيل والدواب.
كما في كتاب "كشف اللثام عن محيا الحكومة والأحكام في إقليمي مصر والشام" لنوفل الطرابلسي ما نصه:
"وكانت كاترين, امبراطورة روسيا, أمرت أميرال هذا الأسطول بمعاونة ظاهر العمر, لعصاوته على الدولة واتفاقه معها على محاربتها, وكان الأسطول المذكور, وقتئذ, في قبرص. فوعد ظاهر العمر أميراله بأنه متى استخلص بيروت من الجزار يعطيه ثلاثماية ألف قرش".
نهاية ظاهر العمر
بعد هذه الانتصارات الباهرة شعر الباب العالي بفشله المتوالي, وقد أنهكت الحرب مع روسيا الامبراطورية العثمانية, فجعل همه تنمية موارده المالية, لسد العجز الناجم عن الحروب المتوالية, فعمد إلى مهادنة ظاهر, بغية الحصول على ضرائب منظمة من بلاد فلسطين في المستقبل, فتم الاتفاق مع والي دمشق بالعفو عن ظاهر, ومنحه سناجق نابلس وغزة والرملة يافا, على أساس (الالتزام), وتسليمه ولاية صيدا, على أساس (المالكانه) بانتظار إصدار فرمان سلطاني بذلك, مما كان يعرف بـ (خط شريف). إلا أن تولي السلطان عبد الحميد الأول السلطنة, عام 1774, إثر وفاة سلفه, السلطان مصطفى الثالث جعل كل الاتفاقات السابقة مع والي دمشق في شأن ظاهر العمر لا قيمة لها ومجردة من أي معنى. فقد قام السلطان الجديد بعقد الصلح مع روسيا, في تموز (يوليو) عام 1774, وتفرغ للقيام بتنظيم امبراطوريته. وما لبث في أول العام التالي (كانون الثاني) يناير 1775 أن أصدر لظاهر العمر (خط شريف) بالعفو العام عن كل التعديات وأعمال العصيان السابقة, في مقابل تنفيذ تعهدات بدفع كل ما استحق لخزينة الدولة من الأموال الأميرية المتراكمة, والقيام بجمع الضرائب وإرسالها, فوراً, إلى الباب العالي, مع إظهار الطاعة التامة للسلطان وعماله ونوابه ورسله. إلا أن ظاهرا, في هذه المرة, جرد من المناطق التي كان يبسط عليها سلطته الفعلية, وهي سناجق ولاية دمشق (بما فيها غزة والرملة ويافا), وإنما ثبّت كملتزم (لعكا) من جانب والي صيدا, وهذا يعني أن ولاية صيدا سلخت عنه, نهائياً.
وما كان للدولة العثمانية مع كل ذلك أن تنسى سابق سلطة ظاهر المتعاظمة وتحالفه مع علي بك الكبير الثائر المتمرد عليها, وتحديه جيوش السلطان, تحدياً صارخاً, فقد جاء في أحد التقارير المرسلة إلى ظاهر (مع رسول تتري) من عيونه في استنبول:
"لقد خدعك السلطان في العفو الأخير الذي أرسله لك, إذ أنه, في اللحظة نفسها, أرسل "خط شريف" بطلب رأسك وممتلكاتك وأمر الباشوات الثلاثة متحدين بمحاصرتك والقضاء عليك وعلى أسرتك".
فسرعان ما لبى السلطان عبد الحميد الأول طلب محمد أبي الذهب, الذي كان قد قضى على (علي بك الكبير) وتولى حكم مصر, في السماح له بالحملة على ديار الشام (معتبراً ذلك منة), والقضاء على ظاهر العمر, قضاء مبرماً. ولم يكتف بذلك, بل أرسل فرمانات إلى أمير جبل لبنان, ومشايخ جبل صيدا وجبل عامل, والى ولاة دمشق وطرابلس وحلب, ومتصرّف القدس, بمساندة (أبو الذهب).
زحف أبو الذهب بجيش جرار من مصر, ميمماً شطر شاطىء فلسطين الجنوبي. فحاصر يافا, ودكّها بالقنابل, ستين يوماً, وتمكن من فتحها, وأسرف في فشل حاميتها, ورجالها, وفي هذا يقول ميخائيل الصباغ, في مخطوطه عن ظاهر العمر:
" وأمر محمد بك (أبو الذهب) رجاله بنهب المدن, وأن يعملوا السيف بكل من كان فيها, من دون فرق ولا تمييز, من المسلم إلى النصراني إلى اليهودي, إلى الغرباء وأبناء السبيل والزوار, ثم أمر بجعل رؤوس القتلى ركاماً وأهراماً, ليوقع الرعب في جميع حكام البلاد, وأهلها, حتى لا يقاومه أحد".
ثم تابع سيره شمالاً, حتى استولى على معظم فلسطين, فما كان من ظاهر, وقد وجد نفسه وحيداً في الميدان, بعدما خذله جميع حلفائه السابقين, كالأمير يوسف الشهابي, أمير جبل لبنان إلى مشايخ جبل عامل, الذين كانوا قد أرسلوا الهدايا النفيسة إلى أبي الذهب, إتقاء لبطشه, إلى أن خرج بعشيرته من عكا, متوجهاً إلى حوران حيث حل عند عرب عنزة. أما أبو الذهب, فقد أرسل برجاله حكاماً على كل البلاد التي أخضعها, وطغى, وبغى, وعاث في الأرض قتلاً وتدميراً, إلا أن القدر عاد وابتسم لظاهر العمر, إذ توفي أبو الذهب, فجأة في 30 أيار/مايو عام 1775م, (ربيع أول 1189هـ), في جبل الكرمل, إثر حمى خبيثة أصابته, وأفقدته رشده, فتناقل القوم بشائر موته, وقد أرّخ ذلك شاعر تلك الحقبة, أحمد البربير, في البيتين الآتيين:
لما دنـا نـيل الـمنى والهـم عنا قـد ذهـب
والسعد أقبل نحونا أرخت مـات أبو الذهب
(1189م)
وعند ذلك, ارتدت جيوشه قافلة إلى مصر, وعاد ظاهر واسترجع بلاده, وأعاد كل شيء إلى سابق عهده قبل حملة أبي الذهب. إلا أن استقراره لم يطل أمده, فالباب العالي لم يتراجع عن تنفيذ مآربه بالقضاء عليه, إذ أخذ بالتحضير لخطة جديدة, يكون فيها الهجوم الأساسي بحرياً, بينما كانت الخطة السابقة مركزة على الهجوم البري. فجهزت عمارة بحرية, بقيادة أمير البحر, حسن باشا الجزائرلي (قبودان باشا) كما أوعزت إلى قوة برية, بمساندة الهجوم البحري, بأمرة والي دمشق, يدعمه ولاة أضنه وصيدا ومتصرف القدس, وأحمد الجزار, الذي كان فرّ من عكا سابقاً خارجاً على طاعة سيده, ظاهر العمر. ولما وصل أمير البحر ميناء صيدا, أرسل يطالب ظاهر بإرسال الأموال الأميرية المتأخرة عن سبع سنوات إلى الخزينة السلطانية, وفاء للعهود, مقابل إبقائه في مركزه, وعلى ما بأيديه من البلاد. فلما تأخر ظاهر عن الجواب, أقلع أمير البحر بسفنه إلى خليج عكا, فلما بلغ المدينة أخذ يطلق عليها القنابل التي بلغت سبعة آلاف وخمسين كلة, عداً (والكلة عبارة عن كرة من الحديد), إلا أن المغاربة المشرفين على الأبراج عصوا أوامر ظاهر بضرب سفن الأسطول لاغراقها, وعطلوا المدافع, وامتنعوا في أبراجهم, مستنكرين مقاتلة الدولة, بأمر من قائدهم. فلما رأى ظاهر خيانة جنده, وتأكد أن الأسطول الروسي, الذي كان يعضده سابقاً في مقابل أجر, لم يعد يقوم بذلك, بعد عقد الصلح بين روسيا والدولة العثمانية, وأن لا نصير له, لا سيما وأنه شارف على التسعين من سنيه, أخرج جماعته من المدينة, ثم تبعهم مع إحدى سراريه وشخصين آخرين. إلا أن أحد المغاربة قام باغتياله, واحتز رأسه, وقدمه إلى قائد الأسطول, الذي أرسله بدوره إلى السلطان, وكان ذلك في مكان في ظاهر المدينة (مازال يعرف إلى يومنا هذا بالرقايق), قرب المقام المعروف حتى اليوم (بمقام أبو عتبة), وبذلك سقطت المدينة (عكا) في 22 آب/أغسطس عام 1775, وزال حكم ظاهر العمر, بعدما استمر قرابة أربعين عاماً. "فكانت هذه النهاية المفجعة لزعيم مضى على سوريا زمن طويل, لم تشاهد فيه بين حكامها مثل هذه الشخصية العظيمة الجديرة بمصير أفضل", على حد قول الرحالة فولني.
بالإضافة إلى ما عرف عن ظاهر العمر. من مهارة في الفروسية, ومعرفة بفنون الحرب وأبواب القتال, منذ حداثته, أظهر مقدرة وحكنة في السياسة, التي كان يتبعها في إدارة شؤون المناطق التي حكمها, لم يجاره فيها أحد من حكام ذلك العصر. فعقد المحالفات التي تضمن له التأييد. كما قام بتزويج بنيه الثماني من بنات مشايخ القبائل البدوية وأصحاب النفوذ والسطوة في قومهم. وبذلك ضمن نصرتهم له إذا ما ألمت به الشدائد, أو في حروبه الكثيرة. وعقد حلفاً مع علي بك الكبير, حاكم مصر, وهو يعلم بقوة جيشه, وكذلك مع كل من كان يأنس فيهم الشجاعة كمشايخ جبل عامل, الذين كانوا في قمة السؤدد في زمنه, حيث بلغ تعداد جيشهم, في مستهل حكمه, عشرة آلاف فارس, من خيرة الأبطال المجربين, الذين كثيراً ما كانوا يغيرون على أطراف ولاية دمشق, ويمسكون, أحياناً, عن دفع الأموال الأميرية لوالي صيدا. كما حالف روسيا, التي كانت في عداء مع الدولة العثمانية, فأمدته بأسطولها, الذي كانت له سيطرة كبيرة في البحر المتوسط, في ذلك الزمن, كما أن كثيراً ما كان يسعى إلى تنفيذ مآربه بالهبات والصلات, فإن لم تثمر, ففي الغارات الصاعقة.
حرص ظاهر كثيراً على نشر الأمن والطمأنينة في كل البلاد التي دانت له, فاهتم بتأمين الطرقات من قطاعها, فإذا ما حصل سلب أو تعد أو أي اعتراض للمسافرين على إحداها, اعتبر حاكم المنطقة, التي تقع الطريق ضمن سلطته, مسؤولاً وغرّمه بالمال المسلوب. وتروى روايات تكاد تكون أسطورية على تشدده في ذلك, ومنها, على سبيل المثال لا الحصر, أنه أراد أن يختبر مدى انتشار الأمن في بلاده, فأرسل امرأة جميلة, من قرية البصة في شمال الجليل, لتطوف بالبلاد, وهي تتحلى بالمجوهرات, فلما عادت من جولتها أخبرته أنه لم يعترض طريقها إلا اثنان, أحدهما مغربي وآخر من عرب الصقر, فما زال يجد في اثرهما, حتى أحضرهما, وشنقهما, جهاراً, خارج أسوار عكا, وأمام بوابتها ليكونا عبرة للجميع, فلا تحدثن أحد نفسه بشر في بلاد يظللها حكمه. ولم يكن يميز في ذلك بين حلفائه وأعدائه, فقد جرد البدو, وهم من ذوي قرباه من حقهم المزعوم في فرض ضرائب الحماية على المسافرين والقرى في المناطق التي كانوا يترددون عليها, وكثيراً ما قاتلهم لقطعهم الطرقات ونهب السابلة, وبطش بهم, بطشاً ذريعاً, على رغم كونهم حلفاءه, كما قطع دابر الرشوة والهدايا وجميع أنواع الابتزاز بالضرائب والرسوم المقررة.
وبلغ من حدبه على الرعية أنه كان يطوف بأزقة عاصمته عكا, متفقداً أحوال الشعب, فلما يمر ببائس إلا نفحه المال, ولم يلبث أن رتب إحسانا شهرياً إلى فقراء المدينة, ليكفهم عن ذل السؤال ويعتبر هذا نظاماً اجتماعياً رائعاً وخاصة بالنسبة لذلك العهد. أما تسامحه الديني فكان مضرب المثل, مما لم يكن مألوفاً في ذلك الزمن, فلم يكن لديه أية تفرقة بين طائفة وأخرى, فقرب إليه الكثيرين من مختلف المذاهب الدينية تبعاً لكفاءاتهم وإخلاصهم في العمل, مجرياً العدل مع الجميع غير ملتفت إلى الطائفة التي ينتمي إليها أي منهم. ويظهر من رسائل التجار الفرنسيين إلى دولتهم في زمنه مدى الحياة الهنيئة والطمأنينة التي كانوا يرتعون في ظلها في عكا وبلاد الجليل. ففي أوائل العام 1751 كتب التجار الفرنسيون المقيمون في عكا إلى السفير فوق العادة لدولتهم أو ما كان يعرف بـ (Stete Minister) "أنه في ضوء جهود ظاهر العمر في تحصين وتأهيل عكا فإننا نعيش الآن في المدينة براحة وطمأنينة تامتين".
كان حجم الروابط الاقتصادية بين أوروبا وفلسطين كبيراً منذ أواخر القرن السابع عشر, وكان معظمها بيد نفر من التجار الافرنسيين وأكثرهم من ميناء مرسيليا, وكانوا يديرون شؤون تجارتهم من ميناء صيدا وميناء عكا. وقد تنبه ظاهر إلى ذلك فأنشأ معهم صلات متينة منذ أول عهده بالحكم. وقد كان القطن أهم السلع التي كانوا يتجرون بها, إذ كان لقطن فلسطين شهرة فائقة في أوروبا وفرنسا بنوع خاص بأشكاله المتنوعة مندوفاً أو مغزولاً أو غير ذلك, فلا غرو أن اهتم بالتجارة الدولية طوال مدة حكمه, فعقد أيضاً الاتفاقات التجارية مع مالطة وقبرص وايطاليا, ووثق العرى في تجارة القطن والقمح بنوع خاص مع التجارة الافرنسيين الذين كانوا يزودونه أيضاً, عن طريق القنصل الفرنسي في عكا بالأسلحة النارية والبارود والذخائر الأخرى مما زاد في قوته السياسية والحربية. وأدى هذا النمو الهائل في ثروته الشخصية وثروة الشيوخ التابعين له إلى تمكنه إلى مقاومة الحكام المنتدبين من جانب السلطان العثماني لجمع الأموال الأميرية, والضرائب المختلفة, كما ساعده على بناء القلاع الحصينة والتغلب على خصومه بحيث أصبحت دولته راسخة البنيان.
ومن الوسائل التي لجأ إليها لتشجيع التجارة المحلية أنه كان يقرض التجار أموالاً بلا فائدة لتوسيع تجارتهم, كما خفض رسوم الاستيراد والجمارك زيادة في تشجيع التجار الأجانب, وزيادة في تنمية التجارة المحلية أنشأ خارج المدينة سوقاً يؤمها القرويون لبيع محصولاتهم ومنتجاتهم لأهل الحضر.
أما الزراعة فقد أولاها من اهتمامه النصيب الأكبر, إذ قام بتجفيف المستنقعات التي كانت منتشرة حول عكا وتصريف مياهها؛ معلناً أن كل من يتمكن من تجفيف أرض وزراعتها تصبح ملكاً خالصاً له. وقد كان لتسامحه الديني, الذي سبقت الإشارة إليه أثر كبير في هجرة عدد وافر من سكان قبرص الأرثوذكس الذين كانوا يعانون جور حكامهم في بلادهم, إلى منطقته. فأنزلهم عكا ووهبهم الأراضي في جوارها, فنجحوا في تنميتها وقاموا بإنشاء الحدائق والبساتين التي بقي الكثير منها يعرف على مدى الأيام بـ (بساتين القبارصة). وكانت العادة أن يأخذ الحاكم ربع (4/1) المحصول في السنة المخصبة والخمس (5/1) في السنة المجدبة, إلا أن (ظاهر) كثيراً ما كان يكتفي بخمس المحصول حتى في سني الخصب تشجيعاً للفلاحين على زيادة الاهتمام بزراعة الأراضي, عدا عن أنه كان يقرض الفلاحين العاجزين عن استثمار أراضيهم.
وكان القطن, كما أسلفنا, أشهر مزروعات المنطقة وأكثرها رواجاً, أما أشهر القرى المنتجة له في بلاد الجليل, من حيث نوعية الألياف وكمية المحصول فكانت: شفاعمرو, وتمرة, وعبلين ثم جولس والمكر وأبو سنان وكفرياسيف وعمقا وترشيحا, ويصدر معظمه من ميناء عكا, مما جعل أجود أنواعه يعرف في أوروبا وفي فرنسا (بالقطن العكي) (Coton d’Acre) وبلغ من زيادة الطلب عليه أن انتشرت زراعته وارتفعت أسعاره باستمرار مما كان عاملاً أساسياً في نمو الثروة القومية.
إن الازدهار الاقتصادي الذي نعمت به البلاد زمن حكم ظاهر العمر مكنه من القيام بأعمال عمرانية باهرة: فقد ابتنى أوسع الخانات في ذلك العصر في عاصمته عكا لإقامة التجار الأجانب وجعل له بوابة حديدية ضخمة أشبه ببوابات سور المدينة وبركة واسعة في وسطه, وما زال هذا الخان حتى يومنا هذا يعرف (بخان الافرنج). كما قام بتشييد الأبراج والحصون المنيعة على طول شاطئ المدينة جاعلاً عليها مدافع ضخمة نقش عليها اسمه, فضلاً عن السور الكبير المحيط بالمدينة, عدا عن الحمامات والمساجد والمباني العامة, مما أدى إلى نمو كبير في تعداد السكان, حتى روى بعضهم أن بلغ أربعين ألف نسمة, وهذا رقم مبالغ فيه بالنسبة لذلك العهد, وعلى رغم ذلك فهو مظهر لمدى الازدهار الذي كانت عليه المدينة. كما انه جدد عمران المدن الواقعة ضمن إطار حكمه وبنى القلاع الحصينة في دير حنا وصفد وطبرية والناصرة وشفاعمرو وحيفا وفي جميع المناطق التي استولى عليها فيما بعد في عجلون ومرجعيون, ولم يكن اهتمامه بقرى السهل دون ذلك, فاستفاد من أملاك الأوقاف بإقامة المطاحن المائية على نهر (النعامين) جنوب عكا وعلى نهر المفشوخ شمالها, واستمرت هذه المطاحن تعمل باستمرار طوال مدة حياته. وبذلك أصبح شمال فلسطين المكان الأهم سياسياً واقتصادياً على مدى القرن الثامن عشر.
المصادر
(1) فولني, سوريا ولبنان في القرن الثامن عشر, ترجمة السيوفي.
(2) فولني, ثلاث سنين في مصر والشام, ترجمة ادوارد البستاني.
(3) مخائيل نقولا الصباغ, تاريخ ظاهر العمر.
(4) عبود الصباغ, الروض الزاهر في أخبار ظاهر, (مخطوط).
(5) المرادي, سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر, (مخطوط).
(6) الخوري مرقص الخوري, قرية دير حنا.
(7) القس أسعد منصور, تاريخ الناصرة.
(8) فيليب حتي, تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين.
(9) منير الخوري, صيدا عبر حقب التاريخ.
(10) أحمد عارف الزين, تاريخ صيدا.
(11) مجلة المشرق, عام 1926 (ص539-560) عيسى اسكندر المعلوف.
(12) مجلة المقتطف, عام 1903 (نيسان/أبريل؛ وأيار/مايو, وحزيران/يونيو).
(13) د. عبد الكريم رافق, بلاد الشام ومصر (1576-1798).
(14) مخائيل مشاقة, مشاهد الأعيان بحوادث سوريا ولبنان.
(15) حيدر أحمد الشهابي, تاريخ الأمراء الشهابيين.
(16) الشيخ طنوس الشدياق, أخبار الأعيان في جبل لبنان.
(17) مخائيل الدمشقي, تاريخ حوادث الشام ولبنان.
(18) مخائيل الدمشقي, تاريخ الشام
|